خليل الصفدي
300
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
هو شاعر مشهور الشعر لا سيما شعره في أسلم ، اشتد كلفه بأسلم وفارق صبره وصرف فيه القول مستترا إلى أن فشت أشعاره على الألسنة في المحافل فانقطع أسلم عن مجالس الطلب ولزم بيته فكان « 1 » يمرّ على بابه ذاهبا وعائدا إلى أن ترك أسلم الجلوس على بابه نهارا ويخرج في أول الليل إذا أظلم يستروح على بابه فعيل صبر ابن كليب فتزيا بزيّ العرب « 2 » وأتى بدجاج وبيض وجاء إلى أسلم وقبّل يده فقال له : من أنت ؟ [ قال : فلان من ] ضيعتك فلانة ، فلمّا طال سؤاله أنكر كلامه وعرفه والتزم أن لا يخرج من منزله أبدا ، فعيل صبره وأدنفه الحبّ وأشرف على الهلاك ، فسعى له بعض أصحابه وكلّف أسلم أن يعوده رجاء صلاحه ، فلمّا جاء معه إلى نصف الدرب توقف وقال : ما أطيق الدخول إليه ، وكرّ راجعا فجاذبه ذلك الصاحب إلى أن مزّق رداءه وبقي بعضه في يده وذهب مسرعا ؛ وكان غلامه قد رآهما في أول الدرب فدخل عرّف ابن كليب مجيء أسلم ، فنشط من علته فرحة بقدومه ، فدخل ذلك الصاحب إلى ابن كليب فقال له : وأين أسلم ؟ فعرّفه الخبر فاستحال لونه واختلط كلامه ، فعنفه ذلك الصاحب فقال : باللّه اسمع ، وأنشد : أسلم يا راحة العليل * رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي * من رحمة الخالق الجليل فقال له : اتّق اللّه ، ما هذه العظيمة ؟ فقال : قد كان ما كان . فخرج من عنده فما « 3 » توسط الدرب حتى سمع الصراخ عليه وفارق الدنيا . قال الحميدي : وهذه قصة مشهورة عندنا ، والرواة ثقات ؛ وأسلم هذا من بيت جليل ، وهو صاحب الكتاب المشهور في « أغاني زرياب » ، وكان شاعرا أديبا . قلت : نقلت هذا مختصرا من « معجم الأدب » لياقوت وساق مثل هذه الحكاية حكايتين أخريين من هذا النمط .
--> ( 1 ) ط : وكان . ( 2 ) يعني بزي الأعراب أهل البوادي . ( 3 ) ط فلما ؛ م د ت : فلما . . . سمع ( بسقوط حتى ) .